السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

43

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

فتعلمون منه ما أحل لكم وما حرم عليكم فتأتون الخير وتذرون الشر على علم لأن الفعل والترك إذا كان عن جهل فهو جهل وإن كان حقا ، قال تعالى « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ » الذين عبدوا العجل بعده بإغرار السامري « يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ » إلها زمن غيابي وعبادتكم له من دون اللّه وخرجتم عن العهد الذي أخذته عليكم وفاقا لعهد اللّه الأزلي بعدم عبادة غيره ، فقالوا له ما نفعل حتى يغفر لنا ، لأن اللّه الذي أمرتنا بعبادته يقبل الرجوع إليه قال « فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ » خالقكم قالوا وكيف هذه التوبة التي تمحو ذنبنا ويقبلنا بها إلهك قال « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » وكان في شريعة موسى عليه السّلام أن من اقترف ذنبا كبيرا كالكفر فتوبته قتل نفسه ، ولا يقبل اللّه توبتكم إلا بذلك ، وبما أنكم ولا بد ميتون فقتلكم أنفسكم لرضاء اللّه عنكم أربح لكم ، « ذلِكُمْ » القتل والتخلص من هذه الدنيا الفانية التي غررتم بها فتلاقوا ربكم تائبين خاضعين « خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ » من أن تموتوا حتف أنفسكم كفارا فتلقوه في دار البقاء على كفركم فتخلدوا في النار . وهذا بيان بأن توبتهم لا تقبل إلا بالقتل ، وليس القتل هنا تفسيرا للتوبة ، لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل والعزم على عدم العودة عليه ، ولكن اللّه تعالى أوحى إن موسى عليه السلام أن توبة المرتد قتله ، ولذلك قضى عليهم بالقتل ، ولما وقع في قلوبهم ما هددهم به موسى من الخلود بالنار في الآخرة وتيقنوا ان قوله حق لما عرفوا منه ، وأنهم لا بد ميتون ، اختاروا قتل أنفسهم حذرا من عذاب اللّه ، فقالوا نسلم لأمره إلى اللّه ، ونصبر على القتل ، وجلسوا محتبين ( الاحتباء ضم الساقين إلى البطن بثوب ) وقيل لهم من حل حبوته أو اتقى بيديه أو بشيء آخر أو نظر لقاتله فهو ملعون ، فصار الابن يقتل أباه ، والأب ابنه ، والأخ أخاه ، والزوج زوجته ، والزوجة زوجها ، وقد أظلهم اللّه بسحابة حتى لا ترق قلوب بعضهم على بعض ، وصار موسى وهارون يبكيان ، ويتضرعان إلى ربهما ، ويقولان يا ربنا ( البقا البقا ) أي اعف عن البقية ، فأجاب اللّه دعاءهم وكشف عنهم السحابة وأمرهم بالكف عن القتل ، فتفقد موسى وهارون القتلى فوجداهما سبعين ألفا ، فحزنا عليهم ، فأوحى اللّه تعالى